تاريخ النشر: 03/09/2026

مع تكثيف السعودية حملتها الترويجيّة "زوروا السعودية"، وتسويق نفسها بوصفها وجهة سياحيّة ناشئة، أصدرت منظمة القسط اليوم إرشادات سفر جديدة تتضمن معلومات أساسيّة مهمة للزوار المحتملين. ومن دون أن تهدف إلى ثني الناس عن السفر إلى السعودية، تلفت الإرشادات الانتباه إلى أوضاع حقوق الإنسان المقلقة في البلاد والمخاطر التي قد يتعرض لها الزوار الأجانب، بما يمكّنهم من اتخاذ قرارات مستنيرة تستند إلى اعتبارات أخلاقية. كما تهدف إلى المساعدة في تجنيب الأشخاص الوقوع في مشكلات أو التحوّل، من دون قصد، إلى أدوات دعائية، وتشجعهم على التفكير في أثر سفرهم على المواطنين السعوديّين العاديّين.

وتسلّط الإرشادات الضوء على النمط المستمر من القمع والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الذي تشهده السعودية منذ سنوات طويلة، وتشير إلى أن هذا النمط بات يمتد في الآونة الأخيرة ليطال الزوار الأجانب أيضًا. وخلال العقد الماضي، نفذت السلطات موجات واسعة من الاعتقالات التعسفيّة، وفرضت أحكامًا بالسجن لمدد طويلة على مواطنين ومقيمين بسبب تعبيرهم السلمي عن آرائهم، سواء على الإنترنت أو خارجه. وتورد الإرشادات أمثلة لأفراد أجانب تعرضوا هم أيضًا للاعتقال والعقاب بسبب ممارستهم الحق في حرية التعبير، بما في ذلك على خلفية منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي نُشرت حتى قبل دخولهم المملكة. وبعد الاعتقال، يواجه الأجانب في كثير من الأحيان انتهاكات إضافيّة لحقوقهم داخل منظومتي العدالة الجنائية والسجون القمعيتين في السعودية.

وتُعدّ السعودية من بين الدول التي تسجّل أعلى معدلات تنفيذ أحكام الإعدام في العالم، إذ نُفّذ ما لا يقل عن 345 حكمًا بالإعدام في عام 2024 و356 حكمًا في عام 2025. وقد نُفّذت نسبة مرتفعة من هذه الأحكام، في انتهاك للقانون الدولي، بحق رعايا أجانب في قضايا مخدرات لم تسفر عن وفاة. وكان معظم هؤلاء الأشخاص من بلدان آسيوية وأفريقية، غير أن الزوار القادمين من دول الشمال العالمي ليسوا بمنأى عن هذه المخاطر؛ ففي عام 2023، أُلقي القبض على مضيفة جوية إيطالية ووجهت إليها تهمتا حيازة المخدرات والاتجار بها بعدما عُثر بحوزتها على سيجارة ماريجوانا، إلا أنها حُكم عليها بعقوبة مخففة بالسجن لمدّة ستة أشهر بعد تدخل دبلوماسيّين إيطاليّين.

كما تشير إرشادات القسط إلى التفاوت في المعاملة بين الزوار الأجانب والمواطنين والمقيمين في السعودية. ففي عام 2019، وفي إطار الجهود الرامية إلى فتح البلاد أمام السياحة الدولية، خففت السلطات قواعد اللباس الصارمة المفروضة على النساء، ولكن بالنسبة إلى الزائرات الأجنبيات فقط. وقد أدى استقدام مؤثرين إلى السعودية والسماح لهم بارتداء ما يشاؤون لأغراض دعائية إلى حالة من الالتباس لدى النساء المحليات، إذ دفعهن ذلك إلى الاعتقاد بأن المعايير نفسها تنطبق عليهن، في حين أنهن لا يتمتعن فعليًا بهذه الحرية. ومنذ ذلك الحين، اعتُقلت نساء سعوديات عديدات، من بينهن مدربة اللياقة البدنية مناهل العتيبي، بسبب ارتداء ملابس وُصفت بأنها "غير محتشمة"، رغم أنها تُعد مقبولة في معظم أنحاء العالم. ويظهر تفاوت مماثل بين الزوار الأجانب والسكان المحليّين فيما يتعلق بحقوق المثليات والمثليّين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية.

ومن المفارقات أنه في الوقت الذي تحث فيه الهيئة السعودية للسياحة الزوار الدوليّين على السفر إلى المملكة، يخضع مواطنون سعوديون لحظر سفر يمنعهم من مغادرة البلاد. وكثير من هؤلاء هم معتقلي رأي سابقون أُفرج عنهم في نهاية المطاف، لكنهم لا يزالون يواجهون قيودًا مشدّدة على حريتهم، تشمل حظر العمل واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والسفر إلى الخارج.

وفي الوقت نفسه، بدأ بالفعل التوجه الذي تقوده السلطات من أعلى إلى أسفل لتطوير قطاع السياحة السعودي يخلّف آثارًا سلبيّة على حقوق الإنسان بعدّة أوجه. فقد شهدت المراحل الأولى من المشروعات العملاقة التي ترعاها الدولة في نيوم وجدة، وهما من المواقع المقرّرة لاستضافة مباريات كأس العالم للرجال 2034 التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، عمليات استيلاء تعسّفي واسعة النطاق على الأراضي، وتهجيرًا قسريًا جماعيًا لآلاف من سكان المنطقتين، من دون إخطار أو تشاور أو تعويض كافٍ.

وإضافةً إلى ذلك، يتولى جيش من العمال المهاجرين ذوي الأجور المتدنية والأوضاع الهشة، القادمين من بعض أفقر بلدان العالم، تنفيذ أعمال إنشاء كمّ هائل من البنية التحتية السياحيّة، إلى جانب البنية التحتية اللازمة لكأس العالم 2034. وفي ظل ما يتعرض له هؤلاء العمال بصورة اعتيادية من انتهاكات ضمن نظام الكفالة في السعودية، الذي لم يشهد سوى إصلاحات محدودة، فإن الطلب المتزايد في البلاد على العمالة المهاجرة لتنفيذ هذه المشروعات يفاقم بدرجة كبيرة مخاطر الاستغلال واسع النطاق وارتفاع أعداد وفيات العمال.

وتختتم إرشادات السفر بدعوة الزوار المحتملين إلى التفكير في أثر رحلتهم، وحثهم، إلى جانب منظمي الرحلات السياحيّة والمدونين والمؤثرين، على إدراك هذا السياق القمعي لحقوق الإنسان، وعدم الانخداع بالدعاية الرسميّة، والنظر، حيثما كان ذلك ممكنًا وآمنًا، في السبل التي يمكنهم من خلالها دعم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان المعرّضين للخطر في السعودية.

وعلّق مسؤول الرصد والتواصل في القسط عبدالله الجريوي قائلًا: "من منطلق وطني، لا أمانع أبدًا زيارة أي شخص لبلدي، بغض النظر عن غرضها، سواء كان دينيًا أو سياحيًا أو غير ذلك. ولكني لا أقبل بالتأكيد أن تُستغل هذه الزيارة لنقل صورة غير حقيقية عن واقع يعيشه المواطنون والمقيمون على حد سواء، ولا أن يتمتع الزائر بامتيازات تفوق ما يحق للمواطن، لمجرد أن زيارته مدعومة من الجهات الرسمية. من هنا، تبرز أهمية أن يكون الزوار على دراية حقيقية بالواقع الذي نعيش فيه، وألا يتحولوا إلى واجهة دعائية تخدم سردية السلطات."

مشاركة المقال
السعودية تستضيف تظاهرة تقنيّة ضخمة فيما تُحجب جغرافيًا حسابات حقوقية ويظل الناشط في مجال الحقوق الرقمية أسامة خالد خلف القضبان
تلفت القسط إلى التناقض الصارخ بين الهدف المعلن للفعاليّة والمتمثل في "صياغة النقاشات حول العالم"، وبين حملة القمع المتواصلة التي تشنها المملكة ضد حرية التعبير في الداخل.
منصة "إكس" تصبح أحدث المنصات التي تحجب حسابات حقوقيّة جغرافيًّا استجابةً لطلبات السلطات السعودية
أصبحت منصة إكس أحدث منصات التواصل الاجتماعي التي تمتثل لطلبات السلطات السعودية بحجب عشرات الحسابات الحقوقيّة والسياسيّة عن الوصول إلى الجمهور داخل المملكة.
قدّمت منظمة القسط لحقوق الإنسان ومركز الخليج لحقوق الإنسان بيان شفويّ أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة
وخلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان (23 فبراير– 31 مارس 2026)، قدّمت المنظمتان بيانًا شفويًّا مشتركًا أبرزَا فيهما شواغل عاجلة تتعلق بحقوق الإنسان في السعودية والمنطقة الأوسع.