منصة "إكس" تصبح أحدث المنصات التي تحجب حسابات حقوقيّة جغرافيًّا استجابةً لطلبات السلطات السعودية
تاريخ النشر: 04/08/2026

أصبحت منصة إكس أحدث منصات التواصل الاجتماعي التي تمتثل لطلبات السلطات السعودية بحجب عشرات الحسابات الحقوقيّة والسياسيّة عن الوصول إلى الجمهور داخل المملكة. وإلى جانب الإجراءات المماثلة التي اتخذتها خلال الأشهر الأخيرة شركات كبرى أخرى، من بينها ميتا وسناب شات ويوتيوب، يُعدّ ذلك تواطؤًا مع الحملة الواسعة التي تشنها السلطات ضد الدور الحيوي الذي تضطلع به منظمات المهجر ونشطاؤه في الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطيّة في السعودية وفي مختلف أنحاء المنطقة.
فمنذ 13 يوليو 2026، جُعل ما لا يقل عن 65 حسابًا على منصة إكس (المعروفة سابقًا باسم تويتر) "غير متاحة" داخل السعودية، بناءً على طلب السلطات السعودية، عبر آليّة تُعرف بـالحجب الجغرافي، والتي تمنع المستخدمين داخل البلاد من الوصول إلى محتوى تلك الحسابات. وتشمل الحسابات المتضررة منظمات مستقلة، منها القسط لحقوق الإنسان، والديوان الديمقراطي؛ ومؤسّسي ومسؤولي منظمات غير حكومية، وهم يحيى عسيري (القسط)، وعلي الدبيسي (المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان)، وعبد الله العودة (مركز اللجنة الأميركية لحقوق الشرق الأوسط)، وعبدالله الجريوي (القسط، والديوان الديمقراطي)؛ والأكاديميّة مضاوي الرشيد؛ وحزب التجمع الوطني (ناس)؛ فضلًا عن العديد من النشطاء السعوديّين المقيمين في المهجر.

وقد تلقى أصحاب الحسابات المتضررة رسائل بريد إلكتروني متطابقة من منصة "إكس" تُبلغهم فيها بأن الشركة تلقت طلبًا من السلطات السعودية، وأنها اتخذت إجراءً امتثالًا لالتزاماتها بموجب "القوانين المحليّة" في السعودية. وجاء ذلك عقب إشعار تلقته المنصة في أواخر مايو، لكنها لم تتخذ بشأنه أي إجراء في حينه. وأُرفق بالرسائل قرار صادر عن النيابة العامة السعودية، كان مطابقًا في جميع الحالات، يزعم ارتكاب مخالفات لنظام مكافحة الجرائم المعلوماتيّة ذي الطابع القمعي في المملكة، بما في ذلك نشر محتوى اعتُبر أنه "يمس النظام العام أو القيم الدينيّة أو الآداب العامّة". ولم يحدّد القرار المنشورات التي يُزعم أنها خالفت النظام، كما لم يوفّر أي وسيلة للطعن فيه أو استئنافه.

يأتي قرار إكس في أعقاب طلبات مماثلة تقدمت بها السلطات السعودية لتقييد حسابات على منصات تواصل اجتماعي أخرى. فمنذ مارس 2026، قامت شركة ميتا بفرض حجب جغرافي على أكثر من 100 حساب على فيسبوك وإنستغرام، يعود العديد منها إلى أصحاب الحسابات الذين طالهم الحجب لاحقًا على منصة إكس، وذلك بناءً على طلب السلطات في كل من السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وقد بررت الشركة هذه الإجراءات أيضًا بالامتثال لأنظمة مكافحة الجرائم المعلوماتيّة في البلدين. كما فرضت منصة سناب شات قيودًا على حسابات داخل السعودية من دون إخطار أصحابها، فيما اتخذت يوتيوب إجراءات مماثلة. ولا يزال عدد الحسابات المتأثرة على منصتي سناب شات ويوتيوب غير معروف.

تمثل هذه الإجراءات، مجتمعة، تصعيدًا متجدّدًا ومستمرًا في الهجوم الذي تشنّه السلطات السعودية والإماراتية على حرّيّة التعبير، كما تعكس تزايد استعداد كبرى شركات التكنولوجيا للامتثال لمطالب ذات دوافع سياسيّة. فعلى مدى سنوات، اعتمدت السلطات في كلا البلدين على قوانين فضفاضة وواسعة الصياغة لمكافحة الجرائم المعلوماتيّة والإرهاب لقمع الأصوات المعارضة وتجريم التعبير السلمي عبر الإنترنت. وقد تعرّض عدد لا يُحصى من النشطاء والمنتقدين السلميّين للاعتقال والمحاكمة وإصدار أحكام بحقهم لمجرد التعبير عن آرائهم الناقدة عبر الإنترنت، وغالبًا على منصة إكس. كما شددت السلطات في مختلف دول الخليج قبضتها على الفضاء المعلوماتي بدرجة أكبر منذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل شنّ ضربات على إيران في 28 فبراير 2026.

في هذا السياق الذي يتسم بقمع شديد، تتحمل شركات وسائل التواصل الاجتماعي مسؤوليّة مضاعفة لاحترام وحماية حق مستخدميها في حرّيّة التعبير. وعلاوةً على ذلك، تنص المبادئ التوجيهيّة للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجاريّة وحقوق الإنسان على أنه ينبغي للشركات تقييم مدى اتساق طلبات الحكومات مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان قبل الامتثال لها. إلا أن هذه الشركات، بدلًا من حماية التدفّق الحر للمعلومات، اختارت فرض مزيد من القيود عليه، رغم التعهدات العلنيّة التي قطعتها عدة شركات منها بأخذ الآثار المترتبة على حقوق الإنسان في مثل هذه القرارات بعين الاعتبار.

يصعب المبالغة في حجم الأثر الذي تُخلّفه إجراءات الحجب الجغرافي هذه. فهي تمثل هجومًا واسع النطاق وشديد الوطأة على قدرة المنظمات والأفراد المستقلين على المناصرة من أجل حقوق الإنسان والإصلاح الديمقراطي في السعودية وفي المنطقة على نطاق أوسع. ويؤكد استحالة عمل المنظمات غير الحكوميّة المستقلة داخل السعودية أو دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب المخاطر الجسيمة التي يواجهها الأفراد داخل هذين البلدين عند التعبير عن آرائهم عبر الإنترنت، الأهميّة البالغة للدور الذي تضطلع به منظمات المهجر ونشطاؤه، الذين أُجبرت أعداد متزايدة منهم على الفرار خلال العقد الماضي. ومع انتقال النشاط الحقوقي والسياسي بصورة متزايدة إلى بلدان المهجر، وسّعت السلطات في كلا البلدين نطاق ممارساتها القمعيّة إلى ما وراء الحدود الوطنية، مستخدمةً أشكالًا مختلفة من القمع العابر للحدود لإسكات الأصوات المعارضة.

 لطالما شكّلت وسائل التواصل الاجتماعي إحدى المساحات القليلة التي أتاحت للناس في منطقة الخليج، بقدر أكبر نسبيًّا من الأمان، التعبير عن آرائهم، وتبادل وجهات النظر، والوصول إلى معلومات مستقلة من خارج بلدانهم، وهو ما يُعد عنصرًا أساسيًّا في الدفع نحو إحداث تغيير طويل الأمد وإشراك فئة الشباب في المنطقة. إلا أن السلطات في كلّ من السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة باتت اليوم تفرض سيطرة شبه كاملة على الفضاء المعلوماتي عبر الإنترنت، وتعمل بصورة منهجيّة على حجب المواقع الإلكترونيّة والحسابات التي قد تتيح معلومات تهمّ الرأي العام، ومن بينها الموقع الإلكتروني القسط لحقوق الإنسان، المحجوب في السعودية منذ عام 2015.

تُدين القسط لحقوق الإنسان هذه الإجراءات التعسفيّة، وتدعو شركات ميتا وإكس وسناب شات ويوتيوب إلى إعادة الوصول الكامل فورًا إلى جميع الحسابات المتضررة. كما نحث هذه الشركات على تقديم توضيح شفاف لكيفيّة اتخاذ هذه القرارات، وبيان ما إذا كانت قد خلصت إلى أن إجراءاتها تتوافق مع المعايير الدوليّة لحقوق الإنسان، والأهم من ذلك، ضمان إتاحة فرصة حقيقيّة وفعّالة لأصحاب الحسابات المتضررة للطعن في هذه القرارات.

مشاركة المقال
قدّمت منظمة القسط لحقوق الإنسان ومركز الخليج لحقوق الإنسان بيان شفويّ أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة
وخلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان (23 فبراير– 31 مارس 2026)، قدّمت المنظمتان بيانًا شفويًّا مشتركًا أبرزَا فيهما شواغل عاجلة تتعلق بحقوق الإنسان في السعودية والمنطقة الأوسع.
تحظر شركة ميتا وصول حسابات حقوقية إلى الجمهور في السعودية والإمارات
تدين المنظمات الموقعة أدناه قرار شركة ميتا بتقييد وصول حسابات منظمات غير حكومية مستقلة، وباحثين، وشخصيات من المجتمع المدني على منصتي فيسبوك وإنستغرام إلى الجمهور في السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.
تحتاج حرية الصحافة إلى تعزيز أكثر من أي وقت مضى في السعودية
اليوم، وبمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، تُسلّط منظمة القسط لحقوق الإنسان ومركز الحقوق التطبيقية في جامعة يورك الضوء على الواقع القاتم الذي يواجهه الصحفيون والكتّاب في السعودية.