اليوم، وبمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، تُسلّط منظمة القسط لحقوق الإنسان ومركز الحقوق التطبيقية في جامعة يورك الضوء على الواقع القاتم الذي يواجهه الصحفيون والكتّاب في السعودية، حيث لا تزال حرية التعبير، سواء عبر الإنترنت أو خارجه، مقيدة بشكلٍ شديد رغم الخطابات الرسميّة التي تروّج للإصلاح والتحديث.
وفي حين تسعى السلطات السعودية إلى تقديم صورة عن الانفتاح والتقدّم، فإن الواقع المعيش للصحفيّين والكتّاب والأكاديميّين وحتى المواطنين العاديين يتمثل في رقابة واسعة النطاق، ومراقبة مستمرة، وخوف دائم من التعرض للانتقام. وتكاد حرية الصحافة تكون منعدمة فعليًا، فيما أصبحت الرقابة الذاتية ظاهرة منتشرة على نطاق واسع، إذ يسعى الأفراد إلى تجنب العقاب حتى على الانتقادات الطفيفة أو غير المباشرة.
تمتد عواقب التعبير إلى ما هو أبعد بكثير من وسائل الإعلام التقليدية. إذ تخضع أنشطة وسائل التواصل الاجتماعي لمراقبة دقيقة، ويمكن أن يؤدي التعبير عبر الإنترنت إلى تبعات خطيرة، بما في ذلك الاحتجاز، وفرض حظر على السفر، والفصل من العمل، وأشكال أخرى من الترهيب. وحتى التعبير السلمي أو التعليق على الشؤون العامة قد يُعامل على أنه مسألة أمنية؛ وقد تعرّض صحفيون ومدوّنون للمضايقة والملاحقة القضائية والسجن بموجب الصياغات الواسعة لنظام مكافحة الجرائم المعلوماتية ونظام مكافحة الإرهاب. ومن بين الأشخاص الذين لا يزالون محتجزين تعسفيًا الصحفية مها الرفيدي (على الرغم من انقضاء مدة حكمها البالغة ست سنوات)؛ ورسّام الكاريكاتير السياسي محمد "ال هزاع" الغامدي (الذي يقضي حكمًا بالسجن لمدة 23 عامًا)؛ والمدوّن التقني ومدير ويكيبيديا أسامة خالد (الذي يقضي حكمًا بالسجن لمدة 14 عامًا). أما الآخرون الذين أُفرج عنهم، فلا يزالون يواجهون قيودًا تعسفية، مثل حظر السفر، والقيود على العمل أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والمراقبة الإلكترونية.
وقد أظهر الإعدام المفاجئ للصحفي تركي الجاسر في يونيو 2025، بعد سنوات من الإخفاء القسري، إلى أي مدى يمكن أن تذهب إليه السلطات في قمع الأصوات المعارضة. فقد كان الجاسر يكتب بانتقاد في صحيفة "التقرير" حول قضايا حساسة مثل حقوق المرأة، والفساد، ومعاناة الفلسطينيين، إلا أن السلطات لم تتسامح مع آرائه التي عبّر عنها بشكلٍ سلمي.
وفي الوقت نفسه، صعّدت السعودية من حملتها الأوسع على المعارضين، بما في ذلك نمط مقلق من الأحكام القاسية وعمليات الإعدام، لا سيما تلك التي تطال الفئات المهمشة والأقليات. ويعزّز هذا السياق الأوسع من خطورة القيود المفروضة على الحريات الأساسيّة، بما في ذلك الحق في التعبير عن الآراء وممارسة العمل الصحفي بشكلٍ مستقل. وفي ظل هذه الظروف، تصبح مهمة الصحفيّين بوصفهم موثّقين لانتهاكات حقوق الإنسان ومدافعين عن الحقيقة والمساءلة أكثر أهميّة من أي وقت مضى، وأكثر خطورة أيضًا.
إن حرية التعبير ليست امتيازًا يُمنح أو يُسحب وفق الأهواء؛ بل هي حق أساسي من حقوق الإنسان. وإن تقييدها بشكل منهجي لا يقوّض حياة الأفراد فحسب، بل يضعف أيضًا إمكانيات المساءلة والشفافية والإصلاح الحقيقي.
وبمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، تؤكد كلٌّ من القسط لحقوق الإنسان ومركز الحقوق التطبيقية في جامعة يورك تضامنهما مع جميع الصحفيّين والكتّاب في السعودية الذين يواصلون التعبير عن آرائهم رغم المخاطر التي يواجهونها، وتدعو المجتمع الدولي إلى الوقوف بحزم دفاعًا عن حرية الصحافة وحقوق الإنسان. كما نحثّ السلطات السعودية على إنهاء الاضطهاد الممنهج للصحفيّين والمدوّنين؛ والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين بسبب ممارستهم لحقهم في حرية التعبير؛ وضمان بيئة آمنة ومُمكِّنة تتيح للصحفيّين أداء عملهم بحرية، دون خوف من المضايقة أو الانتقام.